المقريزي
86
المقفى الكبير
صاحب مصر والإسكندريّة « 1 » . فمضى حاطب بكتب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فلمّا انتهى إلى الإسكندريّة وجد المقوقس في مجلس مشرف على البحر ، فركب البحر ، فلمّا حاذى مجلسه أشار بكتاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بين أصبعه . فلمّا رآه أمر بالكتاب فقبض وأمر به ، فأوصل إليه ، فلمّا رآه أجلسه وتناول منه الكتاب ، وأنزله في منزله . ( قال ) : فأقمت عنده ليالي ، ثمّ بعث إليّ وقد جمع بطارقته فقال : إنّي [ 318 أ ] سأكلّمك بكلام أحبّ أن تفهمه منّي . ( قال ) : قلت : هلمّ ! قال : أخبرني عن صاحبك : أليس هو نبيّا ؟ ( قال ) : قلت : بلى ، هو رسول اللّه . قال : فما له ، حيث كان هكذا ، لم يدع على قومه حيث أخرجوه من بلدته إلى غيرها ؟ فقلت له : فعيسى ابن مريم ، أتشهد أنّه رسول اللّه ؟ فما باله حيث أخذه قومه وأرادوا صلبه ألّا يكون دعا « 2 » عليهم بأن يهلكهم اللّه ، حتى رفعه اللّه إليه في سماء الدنيا ؟ فقال : أحسنت ! أنت حكيم جاء من عند حكيم . هذه هدايا أبعث بها معك إلى محمّد ، وأرسل معك من يبلّغك إلى مأمنك . وفي رواية أنّ المقوقس قال لحاطب : ما منعه ، إن كان نبيّا ، أن يدعو عليّ فيسلّط عليّ ؟ فقال له حاطب : ما منع عيسى ابن مريم أن يدعو على من أبى عليه أن يفعل به ويفعل ؟ فوجم ساعة ثمّ استعادها فأعادها عليه حاطب ، فسكت . فقال له حاطب : إنّه قد كان قبلك رجل زعم أنّه الربّ الأعلى فانتقم اللّه به ثمّ انتقم منه ، فاعتبر بغيرك ، ولا يعتبر بك . وإنّ لك دينا لن تدعه إلّا لما هو خير منه ، وهو الإسلام الكافي اللّه به فقد ما سواه ، وما بشارة موسى بعيسى إلّا كبشارة عيسى بمحمّد . وما دعاؤنا إيّاك إلى القرآن إلّا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل . ولسنا ننهاك عن دين المسيح ، ولكنّا نأمرك به . [ ثمّ ] إنّ المقوقس أعاد حاطب بن أبي بلتعة بكتاب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وجهّز معه هديّة ورسولا يقال له ابن جبر ، فيقال : إنّ حاطب بن أبي بلتعة لمّا قدم المدينة ودخل على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم أنشده أبياتا - ويشبه أن تكون مصنوعة « 3 » - وهي [ الكامل ] : أنعم صباحا يا وسيلة أمّة * ترجو النجاة به غداة الموقف إنّي مضيت إلى الذي أرسلتني * أطوي المهامه في الطريق الأخوف حتى رأيت بمصر صاحب ملكها * فبدا إليّ بمثل قول منصف فقرا كتابك حين فكّ ختامه * فاهتزّ يرعد كاهتزاز المرجف 5 قال الأساقفة الذين تجمّعوا * ما ذا أراعك من كتاب المسرف ؟ قال : اسكتوا يا ويلكم وتأدّبوا * هذا كتاب نبيّ دين المصحف قالوا : وهمت ! فقال : لست بواهم * بل قد عرفت بيان حقّ الأحرف في كلّ سطر من كتاب محمّد * خطّ يلوح لناظر متوقّف هذا الكتاب كتابه لك خاضعا * يا خير مولود بحقّك يكتفي
--> ( 1 ) خبر هذه الرسالة مقتضب عند ابن هشام مفصّل في سيرة دحلان 2 / 173 . ( 2 ) في أسد الغابة 1 / 433 : فما باله لم يدع عليهم ؟ ( 3 ) هي في نظره مصنوعة ولكنّه ينقلها .